محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

127

الآداب الشرعية والمنح المرعية

ذلك في الغالب ، وظاهر كلام غيره أنه عذر لأنه أذى ، ولهذا يكون تأديبا وتعزيزا ، وقد قال له أبو داود : ويشتم ؟ قال : يحتمل من يريد أن يأمر وينهى لا يريد أن ينتصر بعد ذلك . قال الشيخ تقي الدين : الصبر على أذى الخلق عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن لم يستعمل لزم أحد أمرين إما تعطيل الأمر والنهي وإما حصول فتنة ومفسدة أعظم من مفسدة ترك الأمر والنهي أو مثلها أو قريب منها وكلاهما معصية وفساد قال تعالى : وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [ سورة لقمان : الآية 17 ] . فمن أمر ولم يصبر أو صبر ولم يأمر أو لم يأمر ولم يصبر حصل من هذه الأقسام الثلاثة مفسدة ، وإنما الصلاح في أن يأمر ويصبر . وفي الصحيحين " 1 " عن عبادة قال : بايعنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على السمع والطاعة في يسرنا وعسرنا ومنشطنا ومكرهنا ، وأثرة علينا . وأن لا ننازع الأمر أهله ، وأن نقوم - أو - نقول بالحق حيث ما كنا لا نخاف في اللّه لومة لائم . ونهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قتال أئمة الجور وأمر بالصبر على جورهم ونهى عن القتال في الفتنة فأهل البدع من الخوارج والمعتزلة والشيعة وغيرهم يرون قتالهم والخروج عليهم إذا فعلوا ما هو ظلم أو ما ظنوه هم ظلما ، ويرون ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وآخرون من المرجئة وأهل الفجور قد يرون ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ظنا أن ذلك من باب ترك الفتنة وهؤلاء يقابلونك لأولئك ، ولهذا ذكر الأستاذ أبو منصور الماتريدي المصنف في الكلام وأصول الدين من الحنفية الذين وراء النهر ما قابل به المعتزلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فذكر أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سقط في هذا الزمان ، وقد صنف القاضي أبو يعلى كتابا مفردا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما صنف الخلال والدارقطني في ذلك انتهى كلامه . قال الأصحاب : ورجا حصول المقصود ولم يقم به غيره . وقال القاضي أبو يعلى في كتاب المعتمد ويجب إنكار المنكر وإن لم يغلب في ظنه زواله في إحدى الروايتين نقلها أبو الحارث وقد سأله عن الرجل يرى منكرا ويعلم أنه لا يقبل منه ويسكت ؟ فقال إذا رأى المنكر فليغيره ما أمكنه . هو الذي ذكره أبو زكريا النواوي عن العلماء قال كما قال تعالى : ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ [ سورة المائدة : الآية 99 ] . وفيه رواية أخرى لا يجب حتى يعلم زواله نقلها حنبل عن أحمد فيمن يرى رجلا يصلي لا يتم الركوع والسجود ولا يقيم أمر صلاته فإن كان يظن أنه يقبل منه أمره ووعظه حتى يحسن صلاته .

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 7055 ) ومسلم ( الحدود / 1709 ) .